◄ محللون: عمليات تصحيح عنيفة هوت بالأسعار لمستويات تاريخية
◄ التوترات الجيوسياسية والتجارية في العالم ما تزال قائمة وتؤثر على المستثمرين
الرؤية- سارة العبرية
في واحدة من أعنف الصدمات التي شهدتها أسواق المعادن منذ عقود، تلقّى الذهب ضربة موجعة مساء الجمعة، مُسجّلًا أكبر هبوط يومي له منذ الثمانينيات في مشهد أربك المستثمرين وأعاد طرح أسئلة جوهرية حول ما يجري خلف كواليس الأسواق العالمية.
فبينما بدت التفسيرات السطحية محصورة في قوة الدولار وتغيّر التوقعات النقدية، تكشف القراءة الأعمق حسب تحليلات خبراء الأسواق، أن الأزمة أوسع من مجرد عامل واحد، وتمتد جذورها إلى السيولة، وانكسار موجة الصعود في أسهم التكنولوجيا، وتحولات كُبرى في سلوك المستثمرين تجاه الأصول الآمنة.
تحرك الأسعار
وبحلول الساعة 18:19 بتوقيت جرينتش من مساء يوم الجمعة، هبط سعر الذهب بنسبة تجاوزت 12% في أكبر هبوط يومي له منذ 1983؛ إذ جرى تداول الأسعار حول مستوى 4800 دولار للأونصة وسط عمليات بيع كثيفة.
وانخفض السعر بحوالي 11% ليتداول عند 4,812.71 دولار للأونصة، فيما انخفضت عقود الذهب الآجلة بنسبة 9.1% لتصل إلى 4,980 دولار، بينما هوَت الفضة بأكثر من 36% إلى 80.4 دولارا للأوقية، وكانت الفضة سجلت مستوى قياسيًا مرتفعًا يوم الخميس الماضي عند 121.64 دولارا للأوقية، مع امتداد موجة البيع عبر أسواق المعادن الأوسع. وتراجع سعر النحاس بنسبة 3.4% في لندن، متراجعًا عن أعلى مستوى قياسي سجله يوم الخميس.
وجاء هذا التراجع عقب انتعاش الدولار بنسبة 0.4% متعافيًا من أدنى مستوى له في 4 سنوات، على خلفية تقرير أفاد بأن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كانت تُحضّر لترشيح كيفين وارش لرئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي.
وحسب ما ذكر المحللين الاقتصاديين أن السبب الحقيقي وراء هذا الانهيار التاريخي فيعود إلى أزمة في السيولة؛ إذ بدأت القصة من أسهم التكنولوجيا، بعدما هبط سهم مايكروسوفت بأكثر من 11% في جلسة واحدة، ما قاد إلى موجة بيع واسعة سحبت معها مؤشر ناسداك للأسهم التكنولوجية نحو تراجع حاد.
ووصف مصطفى فهمي الرئيس التنفيذي للإستراتيجيات في شركة "فورتريس للاستثمار"، التراجع الكبير لأسعار الذهب والفضة بأنه "تصحيح متوقع، ولكنه يحدث هذه المرة بشكل عنيف".
وقال فهمي- في تصريحات صحفية- إنه "ربما يكون للرافعة المالية دور في هذا الهبوط، ذلك أن الذهب كان يصعد بمتوسط 150 دولارًا في اليوم والآن تحدث حركة تصحيحية، ولكن مع ذلك لا يزال الذهب عند قمة من القمم القياسية، ويمكن أن يرتد إلى الصعود".
وربط الهبوط الحاد للذهب والفضة بعمليات مضاربة من مراكز ضخمة في الأسواق تستخدم قدراتها التداولية (الرافعة المالية)، قائلا إن الهبوط لا يدل على تحسن في المعطيات الجيوسياسية والاقتصادية في العالم.
وشدد على أن العوامل التي ساعدت الذهب والفضة على الصعود الكبير في الفترة الماضية لا تزال قائمة، ويتعلق الأمر بالتوترات الجيوسياسية والتوترات التجارية في العالم، فلا الحرب التجارية انتهت، ولا الديون الكبيرة للولايات المتحدة تقلصت، ولا التوترات الجيوسياسية تراجعت.
وقال محمد بن علي العريمي كاتب وصحفي اقتصادي- في تصريح خاص لـ"الرؤية"- إن أحد الأسباب الرئيسية التي أدت إلى الارتفاع غير المسبوق في أسعار الذهب خلال الفترة الأخيرة، وتخطيه حاجز 5500 دولار للأونصة، يعود إلى التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن جزيرة جرينلاند، إضافة إلى تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط. وأضاف أن حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي عالميًا وتزايد الضبابية الاقتصادية ساهمت في تعزيز الإقبال على الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا لحفظ القيمة، وجاء ذلك بالتوازي مع استمرار الطلب القوي من البنوك المركزية التي تسعى إلى تنويع احتياطياتها وتقليل الاعتماد على العملات الورقية.
وأضاف العريمي أنه في المقابل، سجلت أسعار الذهب انخفاضا مُفاجئا بنحو 5%، ويُعزى هذا التراجع بشكل أساسي إلى عمليات جني أرباح مكثفة عقب موجة الصعود الحادة والسريعة التي دفعت الأسعار إلى مستويات قياسية، ما دفع المتعاملين إلى تسييل جزء من مراكزهم الاستثمارية.
إلى ذلك، وصل الطلب على الذهب إلى مستويات غير مسبوقة العام الماضي بعدما أدت المخاوف المرتبطة بعدم الاستقرار والتجارة إلى ارتفاع الاستثمارات، إلا أن الزيادات القياسية التي شهدتها الأسعار قلصت الإقبال من جانب مشتري المشغولات.
وذكر مجلس الذهب العالمي أن الطلب العالمي ارتفع 1% في 2025 إلى 5002 طن وهو أعلى مستوى على الإطلاق. وقفزت أسعار المعدن النفيس 64% في عام 2025 بسبب الطلب على الملاذات الآمنة نتيجة للتوترات الجيوسياسية وتراجع الثقة في الدولار.
وقال كبير خبراء استراتيجيات السوق في المجلس جون ريد: "سيكون السؤال الأكبر هذا العام هو ما إذا كان الطلب الاستثماري سيظل قويًا بما يكفي للحفاظ على قوة سوق الذهب".
ويتوقع المجلس عامًا آخر من التدفقات القوية إلى صناديق الاستثمار المتداولة المدعومة بالذهب والطلب القوي على السبائك والعملات الذهبية.
وشهدت صناديق الاستثمار المتداولة تدفقات بلغت 801 طن من الذهب في عام 2025، بينما قفز الطلب على السبائك والعملات 16% إلى أعلى مستوى له في 12 عاما.
وارتفع إجمالي الطلب على الاستثمار في الذهب 84% إلى مستوى قياسي بلغ 2175 طنا في عام 2025.
توقعات 2026
ومنذ بدء عام 2026، تتجه الأنظار إلى قدرة السوق على الحفاظ على زخمه الاستثماري في ظل أسعار غير مسبوقة، وتوقعات بمواصلة الذهب لعب دورٍ محوري كأداة تحوّط وتخزين للقيمة في بيئة اقتصادية عالمية لا تزال حبلى بالتحديات. ويتوقع مجلس الذهب العالمي أن تؤثر الأسعار القياسية المرتفعة على الطلب على المشغولات هذا العام، وأن تؤدي إلى تباطؤ مشتريات البنوك المركزية إلى 850 طنا من 863 طنا في 2025، على الرغم من أن مشترياتها لا تزال مرتفعة مقارنة بمستوى ما قبل عام 2022.
وانخفض الطلب على المشغولات الذهبية 18% في عام 2025، مع انخفاض المشتريات في الصين بنسبة 24% إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2009.
وقال تيم ووترر كبير محللي التداول في كيه.إم.سي "إن اختيار رئيس للبنك المركزي الأمريكي ربما يكون أقل ميلا للتيسير النقدي وانتعاش الدولار، كل ذلك ساهم في انخفاض سعر المعدن النفيس".
وقال محللون في "أو سي بي سي" في مذكرة: "أدى ارتفاع أعباء الديون الحكومية والمخاوف الجيوسياسية وعدم القدرة على التنبؤ بالسياسات إلى تسريع إعادة تقييم دور الذهب في المحافظ الاستثمارية". وأضافوا: "لم يعد الذهب مجرد وسيلة للتحوط من الأزمات أو التضخم؛ بل أصبح يُنظر إليه بشكل متزايد على أنه أصل محايد وموثوق به لتخزين القيمة، كما أنه يوفر تنويعا عبر نطاق أوسع من أنظمة الاقتصاد الكلي".
